جامعة الرباط الربيعية الأولى للعلوم الاجتماعية تشهد إقبالا كثيفاً من الطلبة والباحثين

  • Home
  • أنشطة سابقة
  • جامعة الرباط الربيعية الأولى للعلوم الاجتماعية تشهد إقبالا كثيفاً من الطلبة والباحثين
في إطار أنشطته العلمية الدولية، نظم معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا “جامعة الرباط الربيعية الأولى للعلوم الاجتماعية”، وذلك خلال الفترة من 22 إلى 26 أبريل 2019، في رحاب جامعة محمد الخامس بالرباط، بتعاون مع كلية علوم التربية بالرباط وجامعة بادوفا بإيطاليا ومجلس الجالية المغربية بالخارج وجامعة بييمونتي أوريونتالي الإيطالية والمركز الجامعي للثقافة والقانون والأديان بإيطاليا.
وقد أشرف على تأطير “جامعة الرباط الربيعية الأولى للعلوم الاجتماعية”، التي شهدت إقبالا كثيفاً من طرف المئات من الطلبة والباحثين، أكاديميون من اليابان وإيطاليا وإسبانيا والمغرب وفرنسا وبريطانيا والعراق ومصر وتركيا.
كما استفاد من الجامعة طلبة ماستر الدين والسياسة والمواطنة، الذي يقام في جامعة بادوفا بشراكة بين معهد غرناطة وجامعة بادوفا وجامعة بييمونثي أوريونتالي. وتضمّن برنامج الجامعة محاضرات علمية، إضافة إلى ورشة عمل دولية في موضوع “التطرف والعولمة وما بعد السرديات الكبرى”.

ورقة عمل الورشة العلمية الدولية في موضوع التطرف والعولمة وما بعد السرديات الكبرى
أرضية الورشة:
كثيرا ما يتمّ تناول ظاهرة التطرف بمختلف أشكالها وتعبيراتها بوصفها نتيجة مباشرة للعولمة والاضطرابات المرتبطة بها، والتي هزّت العالم فاكتسحت الفضاءات الجغرافية والزمنية مؤدية إلى إزاحات حقيقية أو افتراضية/ رقمية وتبادلات وتنقّلات قسرية وعزلة معرفية أدّت إلى حالة ضياع للذات الفردية والجماعية.
ولذلك، ووجهت العولمة وتهديدها للخصوصيات وإقصاؤها للمعرفة المحلية بردود فعل عنيفة أحياناً، بخاصة في مواجهة الاكتساح الثقافي والاقتصادي، حتى بلغ الأمر حدّ ظهور موجات تطرّف توظف الثقافة في أعمال العنف والقتل الايديولوجي، مؤدية الى بزوغ ما اصطلح عليه المفكر الهندي أرجون أبودوراي “الهويات المفترِسَة” (Predatory identities) أو ما سمّاه أمين معلوف “الهويات القاتلة” (Les Identités meurtrières).
وفي السياق ذاته، شهدت الحقبة الراهنة نمو اقتصاد ثقافي يوظف الثقافة كرأسمال رمزي ومادي، وهو اقتصاد، وإن استَغلّ بوعي أو بغير وعي، خطاب الماركسية الجديدة المتجاوزة للطرح الماركسي التقليدي من خلال اعتمادها البنية الفوقية (خاصة الثقافة والعاطفة) لفهم التحولات المجتمعية والثقافية في المجتمعات الرأسمالية، فإنه على النقيض من مبادئ هذا التوجه، ربما يكون قد أسهم في تقويض الفضاءات المتقاطعة والمتفاعلة وذات الثقافات المتعدّدة، والتي برزت بفضل التعايش والتفاوض المجتمعي المبني على سياسات عمومية تعتمد قيم التعددية الثقافية وتتبنّى ثقافة الاختلاف وسياسة الاعتراف.
لقد شكلت تلك الفضاءات، أو الفضاء الثالث (Third Space) بتعبير هومي بابا، أملاً في أن يسهم الحوار والتفاوض في معالجة الإرث التاريخي المثقل بالصراع والإقصاء والمثخن بالجراح والإلغاء، غير أنها باتت اليوم على المحكّ بسبب ما يمكن أن نصطلح عليه “صدام التطرفات” (The clash of extremisms) الذي يولّد نوبات من العنف المتوقع وغير المتوقع في أماكن غير متوقعة. ففي أعقاب كل حدث عنيف، لا ينتظر العالم أن يعيش الهدوء بعد العاصفة، بل يعيش رعباً متواصلا من الهدوء الذي يسبق العاصفة.
ولذلك، فإن هذه الورشة العلمية الدولية تتغيّا المناقشة العميقة للأطروحات التي تربط التطرف والعولمة، دون أن تسقط في فخّ حشر النقاش في الثنائيات المتصادمة ك”التقليد والحداثة”، أو “الاسلام والغرب” أو “الغرب وبقية العالم” أو “الدين والعلمانية”…، ذلك أنها تعتمد تحليل ومقاربة الأفعال وردود الأفعال، التي تشير إليها هذه الورقة، في سياق ما يمكن أن نسمّيه ب”الوضع مابعد العولمي” (Post-global Condition). فعلى غرار التمايز المفهومي بين التحديث والحداثة، والحداثة ومابعد الحداثة، والحركة الحداثية والحركة مابعد الحداثية، والعلمانية ومابعد العلمانية، والتنمية ومابعد التنمية، والديمقراطية ومابعد الديمقراطية، ربما يكون قد آن الأوان للتمييز بين العولمة ومابعد العولمة.
لقد مرّت الإنسانية من مراحل كثيرة كعصر مابعد الأنوار ومابعد الوضعية (Post-positivism) في مفهومها العلمي المحض، وما بعد الفوردية (Post-Fordism) في سياق الثورة التقانية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية الجذرية، وصولا إلى مرحلة “مابعد الحقيقة” (Post-truth) و”مابعد الإنسانية” (Post-human condition). وإذا كانت العولمة تحيل عملياً على عمليات اقتصادية “مابعد حداثية” تقوم بتحريك الاقتصاد العالمي بشكل غير متكافئ، فإن هذه الورقة تفترض أن ما أسمته ب”الوضع مابعد العولمي” هو نتيجة للتفاعلات وردود الأفعال التي يمكن اعتبارها وليدة لهذه العمليات الاقتصادية ولأنماط إنتاج القيم في السياق النيوليبرالي وفي عصر الفضاءات المفتوحة والانفجار المعلوماتي، وتسعى إلى طرح هذه الفرضيات للدراسة العلمية من خلال هذه الورشة عبر إثارة النقاش حول ثلاثة محاور أساسية من شأنها أن توضّح طبيعة وأنماط العلاقة بين التطرف والعولمة في مرحلة مابعد السرديات الكبرى.

المحور الآول: التطرف و العولمة و ما بعد الحداثة
إن الرصيد الفكري للحركة مابعد الحداثية (Postmodernism)، والذي تم إنتاجه خلال فترة الستينيات من القرن الماضي انطبق في مجمله على الوضع ما بعد الكولونيالي في المجتمعات الحديثة الاستقلال آنذاك، غير أن المفكّرين الذين قادوا هذه الحركة لم يتنبأوا بوقوع أحداث هزّت العالم بعدها كانهيار الاتحاد السوفياتي، والثورة الإيرانية، وانتكاسة الاشتراكية، وهيمنة الرأسمالية، واتسّاع نطاق الهجرة وأعداد المهاجرين، وتغوّل النيوليبرالية وآثارها في توسيع الفوارق الطبقية وتعميق الفجوة بين المجتمعات وتدمير البرامج الاجتماعية، وحضور الإسلام السياسي في المجال العام، وظهور أنماط تديّن جديدة في المجتمعات المعاصرة، فضلا عن زحف العولمة وآثارها على تنقّل البشر والسلع والمعلومات والخدمات (Offshoring) وإسهامها في تَواري المعنى وانتصار التّقاني على الإنساني وفي تفجير إشكالات الهوية والخصوصية والهيمنة والدين والغيرية والتعددية الثقافية.
ولذلك، فإن النقاش في هذه الجلسة سيتمحور حول مجموعة من الأسئلة الإشكالية، والتي يمكن إجمالها في ما يلي:
إلى أي حدّ يمكن مساءلة الحركة مابعد الحداثية كنسق معرفي قام بتفكيك خطابات الحداثة والعولمة، لكنه في الوقت نفسه، “زوّد” بعض المواقف المتطرّفة بالآليات البلاغية والايديولوجية وحرّك بعض الجماعات المتطرفة التي تعتبر أنها هُمّشت من طرف الحداثة والعولمة؟
إلى أي حدّ تمّ توظيف الرصيد الثقافي لما بعد الحداثة من طرف بعض الايديولوجيات المتطرفة لأغراض ايديولوجية؟
إلى أي حدّ أسهمت الحركة مابعد الحداثية، من خلال زحزحتها للمركز (De-centering) وعملها على إعادة تأهيل الهامش، في إبعاد بعض الجماعات المتطرفة عن إدراك “روح الحداثة” وعن الاستفادة من منجزات الحداثة، والتي تعدّ حسب يورغن هابرماس مشروعاً لم يكتمل بعد؟
إذا كانت محاولات تفكيك السرديات الكبرى من طرف المفكرين ما بعد الحداثيين قد نجحت في إضعافها وخفوت بريقها، فكيف يمكن تفكيك السرديات الصغرى (الهامش، خطابات الهوية المنغلقة، خطابات الخصوصية المتعالية على الواقع، السوق والمتعة الفردية…) والتي تحجّرت حتى غدت مركزيات أو أورثودوكسيات هامشية (Peripheral Orthodoxies)؟
ما مدى إسهام تطرّف العولمة في عولمة التطرّف؟ وما انعكاسات إسهام العولمة في توسيع جغرافيا الغضب من الهيمنة على ايديولوجيا التطرف وسيكولوجيا المتطرف وسوسيولوجيا التطرف العنيف؟
وإذا أخذنا في الاعتبار العنف التدميري الذي ينتج عن الصدام بين التطرفات، بدل ايديولوجيا “صدام الحضارات” التي يتمّ الترويج لها منذ تسعينيات القرن الماضي، ألا يمكن القول اليوم بأن الإنسانية باتت في حاجة إلى مشروع ما بعد تفكيكي (Post-deconstructionist project) يهتمّ بإزالة الغموض (Demystification) عن فكرة العودة (Idea of Return) إلى ممارسات يمكن اعتبارها ما قبل حداثية؟
وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الفرضيات و المبادىء التي يمكن اعتمادها في تصميم وبناء هذا المشروع الما بعد تفكيكي؟ وكيف يمكن لهذا المشروع أن يساعدنا في فهم الوضع مابعد العولمي والتناقضات المرتبطة به وأن يسعفنا في تجاوزها؟

المحور الثاني: عولمة المعرفة لمواجهة عولمة التطرف: العيش المشترك بديلا ل “صدام التطرفات”
تناقش هذه الورشة في شقّها الثاني الأدوار التي يمكن أن تقوم بها المعرفة في مواجهة “صدام التطرفات”، وتهتم بتسليط الضوء على التحوّل البراديغماتي (Paradigmatic shift) من النموذج الاقتصادي إلى النموذج الثقافي في مكافحة التطرف، مع إثارة النقاش العلمي حول السياسات المعتمدة من طرف وكالات التنمية في مكافحة التطرف، وذلك بعدما ركز خطاب هذه الوكالات والمنظمات غير الحكومية على “التمكين” (Empowerment) للفئات الهشة وعلى محاولة جبر الضرر الذي طال المجتمعات من جراء الاستعمار أو الإمبريالية أو العولمة.
ولذلك، فإن هذه الجلسة ستنكبّ على تقييم المقاربات الثقافية أو السوسيواقتصادية لمعالجة ظواهر التطرف، وستناقش مدى موضوعية ووجاهة التعامل مع ردود الفعل المضادة والمتطرفة على أنها وليدة الوضع ما بعد العولمي.
وإضافة إلى ذلك، وحيث إن عالم العولمة قد شهد تزايداً مضطرداً في وتيرة الهجرة واتساع نطاقها، وحيث إن هذه المنظمات الحكومية تجعل الهجرة واستحقاقاتها ضمن اهتماماتها وبرامج عملها، باعتبارها نتيجة سيرورة عولمية اقتصادياً ووضع مابعد عولمي ثقافياً، فإن هذه الورشة تسعى إلى مناقشة الإشكاليات المتعلقة بالهجرة والتنقل الإرادي والقسري، في شقيه الواقعي والافتراضي، فضلا عن مناقشة السياسات الدولية والسياسات الحكومية وغير الحكومية حول الهجرة.
فكيف يتأتى تقييم أو مساءلة هذه السياسات؟ وهل نحن بحاجة إلى مقاربة بديلة لموضوع الهجرة تأخذ الوضع ما بعد العولمي في الاعتبار، وتتبنى مبدأ العدالة الاجتماعية ولا تقصي الحقوق الثقافية وتطمح إلى تخليق العولمة (Ethicizing Globalization)؟
وبالموازاة مع ذلك، ما هي النماذج البديلة للتنمية الدولية التي يمكن تصوّرها أمام تنامي ظاهرة التطرف العنيف في المرحلة مابعد العولمية؟
كيف يمكن للمعرفة أن تسهم في بلورة هذه النماذج وأن تسعف في إيجاد حلول جذرية تتبناها السياسات العمومية على مستوى التنمية والعدالة الاجتماعية؟ وما مدى قدرتها على الإسهام في بناء التعايش وتخليق العولمة من خلال تجاوز المنظورات التي تعتمد المهدئات والمعالجة الظرفية التقنية بدل الرؤية التي تنفذ إلى عمق العلل ولا تكتفي بتسليط الضوء على أعراضها؟
في السياق ذاته، وحيث إن من أهداف هذه الورشة التأريخ الابستمولوجي للعولمة ومناقشة إمكانات تخليقها، فإنه من الطبيعي أن تناقش مدى أهمية إعادة الاعتبار للمعرفة التاريخية والاستفادة من بنية التاريخ، أو تاريخ المدد الطويلة (La Longue durée) بتعبير بروديل، بدل الاقتصار على تفاصيل الأحداث بمعزل عن مسبّباتها العميقة.
وارتباطاً بذلك، كيف يمكن للفلسفة من خلال تحليلاتها لموضوعات “الضيافة” و”الهجرة” و”الحدود” و”الهوية” و”الحوار” و”التفاوض” و”التسامح” و”التعايش”… أن تعيد للمعرفة دورها في مقاربة موضوعات الهجرة والتماسك الاجتماعي (La Cohésion Sociale) والعيش المشترك (le Vivre Ensemble)؟
وهل يمكن للطرح الفلسفي أن يقدّم رؤى وتصورات لبدائل لا تقتصر فقط على المقاربات البراغماتية والدراسات الميدانية التي تتبناها برامج وسياسات التنمية؟
وما مدى إمكانية الاستعانة بمفاهيم مستمدّة من حقل دراسات مابعد التنمية (Post-development Studies) لوضع هذا التصوّر الجديد لنماذج “تنموية” بديلة؟

المحور الثالث: الدين و الدّنيوة و التطرف في المجتمعات العلمانية وما بعد العلمانية
شهد الفضاء العام في بعض المجتمعات الغربية في أوروبا تحولاً من فهم للعلمانية يعود الى بداية القرن العشرين (نموذجا فرنسا وتركيا) إلى نماذج ما بعد علمانية لا تفصل بشكل حادّ بين الدين والدولة، بل تهدف إلى خلق فضاء يراعي التحولات المجتمعية التي أفرزتها ديناميات الهجرة ويأخذ في الاعتبار المسألة الدينية على أساس الحقوق الدينية الثقافية للمهاجرين والأقليات، وطبقاً لما سمّاه تشارلز تايلور بسياسة الاعتراف (Politics of Recognition).
فما هي الإستراتيجيات الممكنة المسعفة في إعادة هندسة حوار الثقافات والأديان في عصر العولمة، بما يكفل الإنصات الواعي والفعّال ومراجعة المواقف المتحجرة و خرافات العودة اللاعقلانية، وبما يضمن ردف الدبلوماسية الدينية بسياسات عمومية تراعي “أخلاق الضيافة” تجاه المهاجرين و”أخلاق المسؤولية” تجاه الأقليات، وتنتقل من مستوى حسن الإرادة إلى مستوى حسن الإدارة وتنفتح من خلال العمل المشترك على آفاق التعاون والتضامن؟
و كيف يمكن ركوب قطار العولمة دون التأسيس لعبودية جديدة ترسّخها التبعية و الإقصاء؟ أي كيف للعولمة أن تتحول إلى عالمية إنسانية تعيد للقيم الكونية الحقيقية مكانتها وللعدالة روحها وللحرية رحابتها وللإنسانية إنسانيتها، وتسود فيها نزعات الانتصار للمشترك الإنساني من خلال الإيمان الفعلي بالتاريخ المشترك والقيم المشتركة والمصير المشترك؟
ومن ناحية أخرى، فإن هذا المحور يهدف إلى إثارة النقاش الأكاديمي حول تحولات الفضاء العام وتجديد النقاش الفلسفي والسوسيولوجي حول العلمنة وحول أنماط تموقع الدين في المجتمعات المعاصرة، وتحوّلات هذه الأنماط والتموقعات في عصر العولمة والفضاءات المفتوحة. كما أن من أهدافه إعادة النقاش حول مقولات فرضت نفسها في النقاش العمومي، من قبيل القول بالارتباط الوثيق بين الحداثة والعلمنة، وبين الديمقراطية والعلمانية، وغيرها من المقولات التي طالما ربطت بين صيرورة التحديث وسيرورة العلمنة، أي بين نجاح مسلسل التحديث الثقافي والسياسي والاجتماعي وإقصاء الدين من الفضاء العام.
ولذلك، فإن معالجة هذه الإشكاليات تفرض مناقشة مجموعة من الأسئلة المعيارية والتساؤلات الإشكالية من قبيل مدى وجاهة الحديث عن “نهاية العلمانية”؟ وهل تعد “ما بعد العلمانية” – وفقاً لهذا التصور- قطيعة مع العلمانية أم استمراراً لها بأشكال أخرى؟ وما معنى الانتقال من المجتمعات العلمانية إلى المجتمعات ما بعد العلمانية؟ وما هي التقاطعات بين الدولة العلمانية والمجتمع العلماني والفرد العلماني والمواطن العلماني؟
وهل يتّسق النزوع الجديد نحو نمط التدين الفردي (Believing without Belonging) مع أطروحة “المجتمعات ما بعد العلمانية”؟ ألا يمكن اعتباره دليلا على استمرار سيرورة العلمنة بطرائق جديدة؟ أم أن هذا النزوع نحو هذا النمط من التدين، وإن كان فردياً، يعدّ تجاوزاً لأطروحة العلمانية وادعاءاتها، بخاصة مع العودة القوية للفاعل الديني إلى الفضاء العام في سياق ما بعد الحرب الباردة وردود الفعل على الهيمنة والعولمة الثقافية؟
ما مدى ارتباط “المجتمعات ما بعد العلمانية” بقيم التعدّدية والاختلاف وأسس المواطنة و”حيادية الدولة”؟ وكيف يمكن للمجتمعات ما بعد العلمانية أن تكون مجتمعات تعددية وقد بنيت على أساس ردّ الفعل تجاه “أزمة التعددية” الناتجة عن “مشكلة الهجرة” وما نتج عنها من نقاشات بخصوص موضوع “الإسلام في أوروبا”؟
هل يمكن اعتبار توصيف “ما بعد العلمانية” مؤشراً على الانتقال إلى مرحلة “ما بعد بعد عصر الأنوار”؟ وإذا افترضنا أن الأمر كذلك، ألن يكون حرياً بالمجتمعات الغربية المعاصرة قبول “القيم المحافظة” إلى جانب تمسّكها ب”العقلانية الصلبة”؟
وإذا كان ثمة توجّه لبعض المجتمعات الأوروبية نحو ما بعد العلمانية، فهل يمكن لهذا التوجّه أن يؤدي إلى القطيعة مع مختلف نزعات المركزية الأوروبية، وبالتالي إعادة تعريف الهوية الأوروبية بشكل لا يجعلها مقتصرة على الارتباط بالموروث اليهومسيحي، وإنما بمواريث أخرى أسهمت بدورها في بناء المعرفة والثقافة الأوروبية بشكل عام؟
وإذا افترضنا تخلّق “المجتمعات ما بعد العلمانية” بأخلاق الاعتراف، ألا يمكن أن يتمخّض عن ذلك ظهور نماذج فكرية جديدة من قبيل “الإسلام الأوروبي” بحيث تصبح جسراً بين الأنساق الثقافية والمجتمعات المختلفة والمتنوعة ثقافيا؟
كل هذه الأسئلة والتساؤلات سيناقشها هذا المحور، فضلا عن تساؤلات أخرى تتطرّق إلى التحوّلات التي طرأت على المجال العام في مجتمعات لم تمر بالتجربة العلمانية أو تتأثر بموجة التوجه نحو ما بعد العلمانية كما هو الشأن بالنسبة لبعض المجتمعات الأوروبية، إذ سيتم تدارس ممكنات استفادة هذه “المجتمعات ما قبل العلمانية” من التجارب الغربية والنظر في إمكانات وصولها في آخر المطاف إلى تبنّي “النموذج ما بعد العلماني” أو “ما بعد العلمانية” باعتباره مفهوماً فلسفياً وتنزيله في واقعها السياسي والاجتماعي والثقافي دون الاضطرار إلى المرور بالمسار نفسه الذي مرّت منه المجتمعات الغربية؟
إن هذه الورشة، وهي تسعى إلى طرح أسئلة عميقة تتجاوز التبسيط المخلّ الذي يسيطر على بعض أنماط التفكير والتحليل التي تسهم في تسطيح العقول وعولمة التسطيح، لا تبحث عن أجوبة ناجزة أو عن حلول جاهزة، وإنما تهدف إلى إثارة النقاش البنّاء بين باحثين من ثقافات واختصاصات مختلفة ومتقاطعة لتوليد مزيد من الأسئلة والتساؤلات المعرفية التي يمكن البناء عليها للتداول العلمي في موضوعات يمكن أن يضع النقاش والتثاقف المثمريْن بشأنها بعض اللبنات في مشروعات بحثية وفكرية تسهم في المعالجة العلمية لقضايا وأزمات المجتمع المعاصر من خلال المعرفة والبحث العلمي، وتساعد في فهم العالم ودينامياته وتعقيداته دون مواقف مسبقة أو اصطفافات ايديولوجية أو أجندات سياسية أو حسابات سياسوية أو “تحيزات معرفية”.

برنامج الجامعة الربيعية والورشة العلمية باللغة العربية : الرابط

برنامج الجامعة الربيعية والورشة العلمية باللغة الإنجليزية :الرابط