كرسي غرناطة يتدارس إشكالات النهضة والنهوض في الفكر العربي والإسلامي المعاصر

  • Home
  • أنشطة سابقة
  • كرسي غرناطة يتدارس إشكالات النهضة والنهوض في الفكر العربي والإسلامي المعاصر
اختتمت في غرناطة أشغال الدورة الأكاديمية التي عقدها “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” حول موضوع “الفكر العربي والإسلامي المعاصر: المصادر، المدارس والتيارات، التحولات والآفاق”، بتعاون بين معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا ومؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، والمؤسسة الأوروبية العربية للدراسات العليا، وجامعة غرناطة، وبتأطير كل من الدكتور عبد الله السيد ولد أباه، أستاذ الدراسات الفلسفية والاجتماعية بجامعة نواكشوط، والأمين العام للجمعية الموريتانية للدراسات الفلسفية، والدكتور سعيد بنسعيد العلوي، أستاذ الفلسفة والفكر السياسي الإسلامي والغربي، والعميد الأسبق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط.
وقد تناولت الندوة المداخل المعرفية الكفيلة بمعالجة إشكالية النهضة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، كما ناقشت أسباب وسبل استدراك “التأخر العربي المزدوج” مقارنة بالركب الحضاري الإنساني وقياساً إلى ما كان عليه المسلمون في عصر الإنتاج المعرفي والعطاء الحضاري، معتبرة أن الوعي بحال هذا “التأخر المزدوج” شكّل وعياً بالتقابل الحاد بين “تقدم الغرب” و “تأخر أهل الإسلام”، وبضرورة تجاوز الهوة بينهما وانتشال الذات من وهدة السقوط من خلال العمل على تحقيق النهوض، مع ما رافق ذلك من اختلافات وخلافات وصراعات حول سبل تحقق “النهضة” و”اليقظة” في الأزمنة العربية المعاصرة، لتظل إشكالية النهضة إشكالية محورية ومستمرة في الفكر العربي منذ “صدمة الحداثة”.
وهكذا، ظل مفهوم “النهضة” الأكثر شيوعاً والتباساً وإثارة للنقاش بين مقولات أخرى حضرت بقوة في الخطاب العربي المعاصر، من بينها مفاهيم “الإصلاح” و”التحديث” و”التنوير”. وفي هذا الإطار، أشارت محاضرات الندوة إلى أن مفهوم “النهضة” في التداول العربي يختلف عن مقولة “النهضة”( Renaissanc)  في دلالتها الأوربية التي هي محطة تاريخية لا تتجاوز القرنين الخامس عشر والسادس عشر، فهي المرحلة التي سبقت لحظة الإصلاح الديني التي تلاها عصر الحداثة ثم عصر التنوير. أما مقولة “النهضة” في الوعي العربي الراهن، فتشمل كل هذه المفاهيم وتستوعبها، على الرغم من أن بعض الباحثين برّر استخدام هذا المفهوم بالنظر إلى التشابه الجلي بين الإصلاحيين العرب ورواد النهضة الأوربية من فكرة إحياء الماضي من منظور إنساني تحرري ( التراث اليوناني الروماني بالنسبة إلى الكتاب والفنانين الأوربيين والتراث العربي الوسيط بالنسبة إلى العرب)، وتركيز على المباحث اللغوية، وتحرّر من قبضة المؤسسة الدينية، وبلورة الرابطة الثقافية القومية. إلا أنه، مع ذلك، فإن الفروق بين الاتجاهين بيّنة وجليّة، باعتبار تشبّع الإصلاحية العربية بأفكار الحداثة والتنوير التي لم تكن قد برزت في زمن النهضة الأوربية.
ولذلك، بلورت المدرسة الإصلاحية في بواكيرها الأولى بداية المشاريع التحديثية في العالم الإسلامي، واطلعت على بعض روافد الفكر الأوربي الحديث، إلا أن هذا الاطلاع لم يصل إلى مستوى المعرفة العميقة والوضوح النظري الكامل، فظلت المشاريع هشة ومرهونة لموازين السياسة التي لم تكن في مصلحة النهوض بمعناه الجذري الحقيقي.أما مشروع الإصلاحية الدينية، مع الأفغاني ومحمد عبده، وإن أعطى دفعة قوية للحركية الإصلاحية في العالم العربي، فقد ظل هش المرتكزات النظرية، وفقاً لما ذهبت إليه الأوراق البحثية للدورة الأكاديمية، لأنه بقي متأرجحاً بين النزعة الانتقائية في قراءة التراث الاسلامي والتبشير ببعض المفاهيم والقيم الحداثية خارج سياقها المرجعي بطريقة إجرائية عملية.
ومع تعاقب الأحداث والسنوات، شهد منتصف القرن العشرين بروز اتجاهين متصادمين: علماني ليبرالي ووطني متشبع بقيم التنوير في نسختها الوضعية المعادية للتقليد الديني، واتجاه مقابل تخلى عن النزوع التوفيقي بين مطلب الإصلاح الديني ومطلب التحديث الثقافي والاجتماعي واعتمد شعار “الإسلام دين ودولة” واعتبر الدولة الإسلامية شرط الحفاظ على هوية الأمة والدين مع رفض الحداثة الأوربية بصفتها غزوا ثقافيا مفروضا. ولم يكن هذا هو العامل الأساس في فشل انتقال العالم العربي إلى مرحلة الحداثة، وإنما يتجلى السبب الرئيس في أن الحداثة لم تنتج عن تحوّل طبيعي داخل مسار الثقافة العربية الإسلامية، ولكنها وصلت العالم العربي مع الفكر الغربي الحديث، فعندما عالج العرب الحداثة، قاربوها بالعلاقة مع الفكر الأوروبي، والحال أن التحديث إبداع بالدرجة الأولى، وعندما يقتبس العرب أفكار الغرب فإنهم لا يبدعون وبالتالي لا يمكنهم تحقيق الحداثة. فأوروبا، على سبيل المثال، وصلت إلى الحداثة من خلال مساراتها وتجربتها الذاتية والحضارية، والصين والهند انطلاقا من تجربتهما الثقافية، أي أن الاعتماد في ذلك لم يكن على تجربة الغير، وإنما على تجارب ذاتية، أما العرب فلم يرسموا معالم تجربتهم بالاعتماد على المرجعية الإسلامية، الأمر الذي أسهم بشكل كبير في فشل مشروع التحديث والحداثة. وهذا ما يدعو، وفقا للمشرفين على تأطير هذه الدورة الأكاديمية، إلى  العمل على تجاوز الإخفاق المزدوج في التعامل المنهجي والفكري مع المسألة التراثية وفي التعامل مع الهندسة السياسية والمجتمعية للمجتمعات العربية الراهنة.
وقد خلصت الندوة إلى أن المأزق الكبير الذي تواجهه المجتمعات الإسلامية راهنا هو الأثر المضاعف لانحسار التقليد الديني في أبعاده التراثية الحية وانتكاسة المشروع الإصلاحي التجديدي، في تنامي الاتجاهات الأيديولوجية التي تطرح خيارات حداثية مأزومة ومختلة باسم المرجعية الإسلامية دون الوعي بأن مسار أدلجة الإسلام هو في منطقه الأعمق تكريس لعلمنة ملتبسة تعمّق خروج الدين من المجال العمومي، بقدر ما أن الاتجاهات “الأصولية” عندما تفشل في مشروعها الهروبي الانكفائي لا يبقى لها إلا المحاولة اليائسة لاستعادة لحظة الماضي بوسائل العنف المدمر والعدمي. الأمر الذي يفرض البحث عن مخارج معرفية لعل من أهمها فتح المدى التأويلي للنص الديني من خلال اعتماد ممارسة تأويلية جديدة تستوحي روح النص ومقاصده على اختلاف تشكيلات وصيغ مقارباته التنزيلية في الواقع الحي المعيش، بما يكفل التمييز بين الدين بصفته عقيدة مقدسة وممارسة روحية وبين القوالب الثقافية التي يتجسد فيها، وبما يعني رفض القول بثقافة إسلامية خصوصية أو كيان حضاري متميز، باعتبار أن الدين في أبعاده الروحانية يتأقلم مع شتى السياقات الثقافية ويتفاعل معها، أي الخروج بالدين من ضيق الأمة المِلّية إلى سعة الرباط الإنساني المشترك، بالكشف عن مضمونه القيمي القابل للترجمة في لغة عقلانية مفتوحة، مما يوفر مجالا رحبا للحوار مع أتباع الديانات الأخرى والتفاعل مع مختلف السياقات الثقافية. وهنا يمكن للدين أن يبرز في روحانيته العميقة من حيث هو أوسع من الأيديولوجيا وأرحب من مقاييسنا الثقافية المتغيرة والظرفية.
وجدير بالذكر، أن هذه الدورة الأكاديمية تندرج ضمن سلسلة من الندوات العلمية التي ينظمها “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني”، في مقره بمدينة غرناطة الإسبانية، والموجهة لفائدة الطلبة والباحثين بهدف التعريف بالقيم الإسلامية السامية وترسيخ معايير الموضوعية في دراسة كل ما يتعلق بالإسلام والحضارة الإسلامية، في إطار برنامج علمي مكثف سيتوَّج خلال شهر أكتوبر القادم بافتتاح ماستر ”الإسلام في الزمن الحاضر: العيش المشترك وتدبير التنوع“، في جامعة غرناطة، وفي إطار البرامج والمشروعات العلمية لكرسي غرناطة لدراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني.