“سيمنار” الخطاب الإسلامي والقضايا المعاصرة: الخطاب الإسلامي المعاصر مطالب بتمثّل جوهر الإسلام واستيعاب المفهوم العميق للإنسان

  • Home
  • أنشطة سابقة
  • “سيمنار” الخطاب الإسلامي والقضايا المعاصرة: الخطاب الإسلامي المعاصر مطالب بتمثّل جوهر الإسلام واستيعاب المفهوم العميق للإنسان
اختتمت في مدينة غرناطة الإسبانية الدورة العلمية حول “الخطاب الإسلامي والقضايا المعاصرة”، المنظمة في إطار الأنشطة الأكاديمية لـ”كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني”، الذي أسسه معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا بشراكة مع  مؤسسة مؤمنون بلا حدود  والمؤسسة الأوروبية العربية للدراسات العليا، وجامعة غرناطة، وذلك على مدى أسبوع من المحاضرات والنقاشات، استفاد منها أساتذة وباحثون وطلبة باحثون في مرحلتيْ الماستر والدكتوراه في جامعات غرناطة وقرطبة وبرشلونة، وأشرف على تأطير هذا “السيمنار” كل من العلامة الدكتور أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية بالرباط، والدكتور بيدرو مونتابيت، عميد الاستشراق الإسباني المعاصر، والدكتور محمد بنصالح، مدير الكرسي، والمستعربة الإسبانية الدكتورةكارمنرويثبرافو،مديرةمنتدىكانتاربيا (CantArabia).
وقد ناقشت هذه الدورة الأكاديمية إشكالية الخطاب الإسلامي في الزمن المعاصر من خلال تفكيك ثنائيات مفهومية تهيمن على النقاش الفكري والفكراني في المجال التداولي العربي منذ ما سمي بعصر النهضة العربية، من قبيل ثنائيات “القديم والجديد”، “التحديث والتقليد”، “التراث والتجديد”، “الهوية والكونية”، “الخصوصية والعالمية”، “الأصالة والمعاصرة”، “الإسلام والحداثة”… وغيرها من الثنائيات السِّجَالية المشكِّلة للركائز الأساسية لكثير من الصراعات الإيديولوجية في الساحة العربية، إذ رأى المحاضرون أنّ التجديد الديني يستلزم التخلص من الحمولة الإيديولوجية لهذه الثنائيات وإعادة النظر في مجموعة من التصورات حول هذه المفاهيم وطبيعة علاقاتها من أجل صياغة خطاب منفتح على العصر ونموذج خلاّق في الثقافة والمعرفة والسلوك، يخرج الخطاب الإسلامي من جموده وينتج خطاباً جديداً متجدِّداً ينظِّر لعصره ويعيد للإنسان اعتباره وللقيم الإسلامية مكانتها في المنظومة الفكرية والثقافية والاجتماعية.

الخمليشي: إذا استمر الخطاب الإسلامي في التقليد والمحاكاة فإنه سيكوّن أجيالاً لا تنتمي إلى العصر الذي تعيش فيه

وفي هذا الإطار أجمل الدكتور أحمد الخمليشي عيوب الخطاب الإسلامي المعاصر في اقتصاره على النقل والحكاية، الأمر الذي يحول دون مسايرته لمقتضيات العصر والحداثة، وأرجع ذلك إلى سببين، أولهما أنّ الخطاب الديني يسعى إلى الحداثة أو التجديد، ولكنه يقترح لها وسائل لا تبدو قادرة على تحقيق الهدف المتوخى منها، وثانيهما طريقة تفسير النصوص، باعتبار التفسير في التاريخ الثقافي الإسلامي أسند إلى فرد تُعلم أوصافه ولا يوجد شخصه، أي إلى مجتهد تشترط فيه أوصاف لم يسبق أن اعترف لأيّ شخص بها، مشيراً إلى أنّ السعي إلى ضبط الاجتهاد كان الهدف من هذه الشروط، غير أنّ عدم تحديد وسائل عملية ومعقولة لقياس هذه الشروط والأوصاف، قلب الأمر من هدف الضبط والتنظيم إلى واقع الفوضى، فانعكس الوضع سلباً على حركة الاجتهاد، وظهرت الدعوة إلى إلغائه، فتم التأسيس للجمود حين فرض التقليد من جديد. وهكذا انتشر التقليد وانتصر على تيار التجديد الذي يؤمن أنّ العقل خلق للتدبر والتفكر، وأنّ التقليد إبطال لفائدة العقل وإطفاء لنوره، الأمر الذي جعل الخطاب المتنور غير مؤثر في الحياة العملية، خاصة أنّ ارتفاع معدلات الأمية يصعّب مهمة الأفكار الداعية التجديدية التنويرية.
وفي السياق ذاته، حذر الأستاذ أحمد الخمليشي من أنّ استمرار الخطاب الإسلامي في التقليد والمحاكاة سيكوّن أجيالاً لا تنتمي إلى العصر الذي تعيش فيه، مذكّراً أنّ القرآن الكريم يذم المقلدين والذين يتبعون آباءهم، ومعتبراً أنّ الوقوف مع التفسير الذي أعطاه السابقون لنصوص الدين أضرّ بالخطاب الإسلامي المعاصر في كثير من القضايا، ومؤكداً أنّ هذا الواقع يحتاج إلى مراجعة حقيقية، خصوصاً وأنّ العالم العربي في مرحلة لا تسمح بإضاعة مزيد من الوقت، عكس ما كان عليه الأمر في أوروبا التي سمحت الظروف التاريخية بمرورها من النهضة إلى التنوير إلى الحداثة في حوالي ثلاثة قرون، محذراً من أنّ إهمال المستجدات واللجوء إلى التقليد يشكل تصوراً مصادماً للواقع لدى المتلقي، الأمر الذي قد يؤدي إلى خلخلة الأمن الاجتماعي.
وفي هذا الصدد، طالب العلاّمة المغربيُ الخطابَ الإسلامي باستيعاب المفهوم العميق للإنسان، وهو مفهوم لا يبقى معه تمييز بين الناس على أساس العرق أو العقيدة أو الجنس، مشيراً إلى أنّ الخطاب الإسلامي قطع مراحل متفاوتة في هذا الإطار، غير أنّه لم يصل بعد إلى التصور الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان، ومؤكداً أنّ ما يقوم به “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” خطوة علمية واعدة في هذا الإطار ووسيلة فعّالة لنشر الأفكار التجديدية المنفتحة على العصر والمتمثّلة للقيم الإسلامية الحقيقية.
أما الدكتور بيدرو مونتابيت، عميد الاستشراق الإسباني المعاصر، والرئيس السابق لجامعة أوتونوما بمدريد، فقد أشار إلى أنّ الإسلام رسالة عالمية وخطاب سلام موجه إلى البشرية كافة دون تمييز بين العرق أو اللون أو الجنس أو التقاليد، مؤكداً أنّ مفهوم “المعاصرة” يختلف بين العالمين الإسلامي والغربي، الأمر الذي يوجب فهمه انطلاقاً من مفهومه الخاص وليس وفقاً لما تمليه الأغراض المصلحية أو الحسابات السياسية أو التوجهات الأيديولوجية.
وفي هذا الإطار، لاحظ البروفيسور مونتابيث أنّ الخطاب السائد في العالم العربي بدأ يصل إلى الغرب دون وسائط، وذلك من خلال بعض الأعمال العربية المترجمة إلى اللغات الأوروبية، والتي تسمح بفهم الفكر العربي والإسلامي من الداخل، معتبراً فهم الخطاب الإسلامي يتأتى من خلال إدراك الاختلاف في هذا الخطاب بوصفه تنوعاً في إطار الوحدة.

مونتابيت: الإسلام خطاب سلام موجه إلى الناس أجمعين

وفي سياق حديثه عن أصول الخطاب الإسلامي ومصادره المؤطرة، أشار مونتابيث إلى ضرورة التمييز بين المصادر المنحدرة من العصور الوسطى والمصادر الحديثة والمعاصرة، معتبراً فهم الخطاب الإسلامي لا يتم فقط من خلال الاقتصار على الرائج من تفسير محصور للنص القرآني، بل أيضاً من خلال مواكبة المسيرة التاريخية لانتشار الإسلام، حيث أنّه وخلال مئة سنة فقط وصل إلى شمال الهند والقوقاز، مدمجًا العناصر والثقافات السابقة له (السامية وغير السامية) في بوتقة واحدة ما زالت تؤثر في الخطاب الإسلامي المعاصر. وهذا الأمر فصّلت القول فيه الدكتورة كارمن رويث برافو، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية في جامعة مدريد، حين أشارت إلى أنّ تفسير مضامين الخطاب الإسلامي تستلزم بالضرورة الإحاطة بنوعية مصادره وأزمنة إنتاجه، وأحالت في هذا الإطار على شخصية الفيلسوف والعالم والطبيب الأندلسي ابن رشد، الذي أبدع فلسفةً تؤسس لعلاقات التسامح والقبول بالآخر والاحترام المتبادل بين ثقافات وانتماءات دينية مختلفة، متسائلة عن العائق الذي يمنعنا في الوقت الراهن من إنتاج خطابات منفتحة في حين استطاع ابن رشد القيام بذلك قبل قرون.

كارمن ريوث: ما الذي يمنعنا من إنتاج خطابات منفتحة أنتجها ابن رشد منذ قرون؟

 أما الدكتور محمد بنصالح، الأستاذ الجامعي و مدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا ومدير كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني، فقد قال إنّ معظم الخطابات التي تنتسب إلى ما يسمى بالخطاب الإسلامي المعاصر خطابات معاصرة في إطارها وشكلها، مَاضَوِيٍّة فيمضمونها وجوهرها، ولاحظ أنّ الخطاب الإسلامي النهضوي في عصر اليقظة العربية كان يسير في الاتجاه الصحيح نحو الإصلاح والتجديد والمعاصرة، غير أنّ هذا النفس الإصلاحي بدأ في التراجع حين اشتدت الحملات الاستعمارية الأوروبية على البلاد العربية، ثم بعد سقوط ما كان يعتبر دولة “الخلافة الإسلامية”، وتأسيس جمهورية تركية معادية للدين على أنقاضها. إذ أدت هذه الحملات إلى التمترس خلف شعارات الهوية والخصوصية الحضارية، باعتبار الثقافة آخر حصن أمكن الاحتماء به من الغزو الأوروبي متعدد الأبعاد. فضاعت على العالم العربي فرصة تاريخية بعدما سيِّس الخطاب الإسلامي فانعكس الموقف السياسي من الدول الاستعمارية على الموقف من الثقافة الأوروبية، ليحل محلّ خطاب فكري نهضوي استطاع التمييز بين الموقف السياسي والموقف الثقافي ولم يجد حرجاً في الاستلهام من المنجز الحضاري الغربي ليصهره في مشروعه النهضوي.

واعتبر الأستاذ الباحث بعض أطياف ما يصطلح عليه “الخطاب الإسلامي المعاصر” لا علاقة لها بهذا الاسم، فخطاب يعيد إنتاج خطابات القرون الماضية لا يمكن أن يكون خطابًا معاصراً، لأنّه خطاب مغترب عن عصره. وخطاب لا يتمثّل القيم الإسلامية السامية لا يمكن أن يكون خطابًا إسلامياً حقيقياً، لأنّه خطاب مغترب عن حقيقة وجوهر الدين الذي يزعم الانتساب إليه. فخطاب يتنكر للعلم لا يمكن أن يتّسق مع دين كان فعل “اقرأ” هو أول ما نزل في كتابه المقدس. وخطاب يتنكّر لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، لا يمكن أن يتسق مع دين يقول الله في قرآنه ( ولقد كرمنا بني آدم). وخطاب ينظّر للتطرف لا يمكن أن يتّسق مع دين أمة يقول فيها الله عز وجل (إنّا جعلناكم أمة وسطاً). وخطاب ينظّر للعنف لا يمكن أن يتسق مع دين يقول الله في كتابه المجيد (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا)، وخطاب يتخندق طائفيًّا أو مناطقيًّا لا يمكن أن يتسق مع دين يقول فيه الله لنبيه الكريم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). وهذا ما يفرض – وفقاً للأستاذ المحاضر- التفريق بين الإسلام بوصفه ديناً سماويًّا وخطابًا مقدساً، والخطاب الإسلامي باعتباره منتَجاً بشرياً، كما يفرض التمييز بين الخطابات الإسلامية التي وصفها بأنّها تتنوّع حدّ التناقض أحياناً، الأمر الذي يفسّر اختلاف الآثار التي تنتجها هذه الخطابات في المتلقّين وانعكاساتها على أفكارهم وسلوكهم، وإن ادعى أصحابها أنّهم يتمثلون الإسلام وقيمه وتعاليمه في منتوجهم الخطابي.

بنصالح: الخطاب الإسلامي مطالب بتمثل جوهر الإسلام وإشاعة القيم الإسلامية السامية

وبعد أن شرح نظرية الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول الخطاب والسلطة، مشيرًا إلى الارتباط الوجودي بين الخطاب وإرادة الهيمنة لدى السلطة، سواء كانت سلطة سياسية أو مالية أو إيديولوجية أو اجتماعية، ضاربًا المثل بسلطة المال على الخطاب الذي تنتجه بعض المنابر الإعلامية الغربية، أشار بنصالح إلى ضرورة الاستثمار الإيجابي لسلطة الخطاب من خلال اغتنام الفرص المتاحة في عصر الفضاءات المفتوحة لإنتاج خطاب مستوعب لجوهر الإسلام المتطابقة قيمه ومقاصده السامية مع القيم الكونية، خطاب قادر على بناء الإنسان والحضارة وصناعة التقدم والرفاهية وإشاعة ثقافة السلام والرحمة والمحبة والتعايش والتعاون والتضامن بين الناس.
جدير بالذكر أنّ “سيمنار” “الخطاب الإسلامي والقضايا المعاصرة” دشّن سلسلة من الدورات الأكاديمية التي ينظمها “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” خلال السنة الجامعية الحالية، تحضيراً لـ”ماستر” الكرسي حول “الإسلام في الزمن الحاضر: رهانات العيش المشترك وتدبير التنوع”، الذي تحتضنه جامعة غرناطة، بداية من شهر أكتوبر 2016